في شارع يحمل اسم الكاتب الشهيد أحمد رضا حوحو1 (1910 - 1956) بالجزائر العاصمة، وعلى بعد أمتار قليلة من "معهد سيرفانتيس" ومبنى "جمعية الجاحظية" التي أسّسها الروائي الراحل الطاهر وطار (1936 - 2010) نهاية الثمانينيات، تقع "مكتبة الثقافة العربية" ضمن مساحة صغيرة لا تتجاوز ستّة عشر متراً مربّعاً.
تضمّ هذه المساحة، إلى جانب إصدارات "منشورات الاختلاف" التي تُشرف على المكتبة، مجموعةً من العناوين باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية، من بينها عدد من الكُتب المستعمَلة التي تلقى اهتماماً كبيراً من القرّاء.
افتُتحت المكتبة في محاولة لما سمّاه القائمون عليها، حينها، "الدفاع عن حق الجزائري في الحصول على كتب نوعية"، بعد أن لاحظوا استمرار "غياب الكتاب العربي الحداثي التنويري" عن المكتبات الجزائرية منذ عقود، واكتفاء معظمها بـ"استيراد الكتب الدينية والتعليمية وكتب الطبخ".
ثلاثون سنة
بدأت "الاختلاف" نشاطها جمعيةً ثقافية بِاسم "رابطة الاختلاف"2 عام 1996، وأصدرت أوّل كُتبها عام 19983، قبل أن تتحوّل إلى دار نشر ابتداءً من 2005.
وعُرفت الدار عربياً بفضل إصداراتها المشتركة مع "الدار العربية للعلوم - ناشرون" في بيروت منذ 2003، ثمّ مع دُور نشر عربية أُخرى لاحقاً.
وخلال 30 عاماً من تجربتها، وصل عدد إصدارات "الاختلاف" إلى قرابة ألف عنوان في مجالات الفكر والأدب، ضمن رؤية تهدف، وفق القائمين على الدار، إلى "ترقية الكتاب الجزائري والدفاع عن قيم الحرية والتقدّم والعقلانية والحداثة".
نهاية تجربة
كان افتتاح "مكتبة الثقافة العربية" مخالفاً للسائد حينها؛ فقد جاءت الخطوة بينما كان العديد من المكتبات، في الجزائر العاصمة ومدن جزائرية أُخرى، يشهد مصيراً يتراوح بين الإغلاق والبيع وتغيير النشاط التجاري، بسبب عزوف الجمهور عن الكتب من جهة، والأزمات الاقتصادية التي أثّرت على صناعة النشر من جهة أُخرى.
ويومها، قال أصحاب المشروع إنّهم يراهنون، من خلال المكتبة، على "مواجهة هذا الواقع المحبط".
استمرّت "المواجهة" عشر سنوات، لتصل إلى نهايتها أخيراً؛ حيث أغلقت المكتبة أبوابها في الثلاثين من نوفمبر الماضي.
وعزا المشرفون على المكتبة، في منشور على صفحتها في فيسبوك، قرار الإغلاق إلى ما وصفوه بـ"الظروف القاهرة"، من دون ذكر تفاصيل حول طبيعة تلك الظروف.
عزوف مجتمعي
في حديثه إلى "أصوات جزائرية"، يشرح الروائي بشير مفتي، أحد المشرفين على المشروع، طبيعة الظروف التي أدّت إلى إغلاق "مكتبة الثقافة العربية" بالقول: "قاومَت المكتبةُ خلال عشر سنوات كاملة في مجتمع لا يقرأ. وللأسف، ارتفع ثمن الإيجار مقابل الانخفاض الحادّ في مبيعات الكتب، ما جعل الاستمرار صعباً".
ويتساءل مفتي: "ماذا سيكون مصير مكتبة في مجتمع مُعرِضٍ عن الكتاب والثقافة بشكل عام؟"، مضيفاً: "لو كان أفراد المجتمع يهتمّون بالكتاب كاهتمامهم باقتناء تذكرة مقابلة كروية لكنّا بخير. غير أنّ الكتاب لم يعُد مطلباً مجتمعياً".
يعتبر صاحب رواية "اختلاط المواسم" (2019) أنّه "لا يمكن لأيّة مبادرة فردية أن تقاوِم لوحدها، في وقت لا تنظر المؤسّسة الرسمية إلى واقع المكتبات الخاصّة بشكل جِدّي"، لكنّه يُردف: "أُصرّ على أنّ المشكل الحقيقي هو الطلب المجتمعي. لم يعُد الإنسان الجزائري حريصاً على الكتاب، ومهما ضخّت الدولة من أموال في هذا القطاع فلن تنتج شيئاً ذا قيمة".
ويضيف: "المجتمع هو الذي يجب أن يطلب هذا الحق الثقافي في حياته الاجتماعية اليومية. وعندما تخلو ولاية أو بلدية من مكتبة أو قاعة سينما أو مسرح، ولا يجد المجتمع أيّة غرابة في ذلك، فهذا يعني أنّ الثقافة ليست مطلباً أساسياً بالنسبة إليه، وأنّ وجودها وغيابها سواء".
جرس إنذار
على حسابه في فيسبوك، كتب الصحافي والسينمائي سليم عقار، معلّقاً على خبر غلق المكتبة بالقول: "إغلاق مكتبة هو رسالة إنذار بأنّ مجتمعنا فقد بوصلة المعرفة".
أمّا الشاعر خالد بن صالح، فاعتبر أنّ الظروف القاهرة التي أدّت إلى إغلاق "مكتبة الثقافة العربية" لا تختلف عن ظروف مكتبات أُخرى "بتنا، بدل أن ننتظر عناوينها الجديدة، نُفاجَأ بإعلان غلقها"، مضيفاً: "كلُّ شيء متعلّق بالكتاب يكاد يكون متوقّفاً، غامضاً، وغير واضح لأحد".
وتساءل بن صالح: "هل من مُصغٍ لنداءات الاستغاثة التي يُطلقها المكتبيون كلّ يوم؟".
دعوات إلى تدخّل عاجل لوضع سياسة تحمي المكتبات وتدعمها
من جهته، وصف الناشر والمكتبي محند سماعيل إغلاق المكتبة بـ"الحدث بالغ الخطورة"، معتبراً أنّه ليس حالةً فردية، بل "نتيجة لسلسة طويلة من الإهمال المؤسّسي لقطاع الكتاب"، مضيفاً أنّ واقع المكتبات في الجزائر "بات هشّاً إلى درجة تُهدّد وجودها"، في ظلّ ما سمّاه الغياب شبه الكامل لآليات الدعم وانعدام رؤية ثقافية تضع الكتاب في مكانه الطبيعي.
ورأى سماعيل أنّ "إغلاق مكتبة واحدة يجب أن يُقرأ كتحذير رسمي"؛ فـ"ما تبقّى من المكتبات مهدَّد أكثر من أيّ وقت مضى. وإذا استمرّ هذا التجاهل، فإنّ الخسائر المقبلة لن تمسّ أصحاب المكتبات فحسب، بل المجتمع كلّه"، داعياً إلى تدخّل عاجل لوضع سياسة حقيقية تحمي المكتبات وتدعمها "قبل أن نجد أنفسنا أمام مشهد خاوٍ لا يمكن إصلاحه".
صورتان لواقع واحد
تبدو هذه الصورة القاتمة حول واقع القراءة في الجزائر على النقيض من خطاب المؤسسة الثقافية الرسمية الذي يستشهد بأعداد الزوّار "القياسية" التي يسجلها "معرض الجزائر الدولي للكتاب"4 دورةً بعد أُخرى، للحديث عن "المكانة الكبيرة للكتاب لدى الجمهور الجزائري".
يُجيب بشير مفتي عن سؤال "أصوات جزائرية" حول التناقض بين الإقبال الكبير على "المعرض الدولي للكتاب" وتراجُع ارتياد المكتبات بالقول إنّ الأرقام المعلنة لزوّار المعرض لا يمكن أن تُعطي صورة صادقة حول واقع المقروئية لدى الجزائريين أو اهتمامهم بالكتاب، خصوصاً في ظلّ غياب أرقام دقيقة حول مبيعات الكتب أو اتجاهات القراءة خلال التظاهرة.
ويختم مفتي حديثه قائلاً إنّ "مكتبة الثقافة العربية" كانت "تجربة في مسار نضالي ثقافي طويل وشاق. لكنّ الأمل يجب ألّا يتلاشى، لأنّ المكتبات قد تنطفئ، أمّا الكتاب فلن يموت".