عاجل

صورة بحجم كامل

"حرب ضارية من أجل السلام" لأليستير هورن: الثورة الجزائرية من منظور مؤرّخ بريطاني

أثار كتاب أليستير هورن عن الثورة الجزائرية اهتمام سياسيين وعسكريين مثل بوش وبينوشيه، إضافةً إلى شارون الذي قرأه "بشكل مقلوب".

20 ديسمبر 2025 | 09:30

اعتُبر كتاب هورن أحد المراجع الهامّة للباحثين والمهتمّين بالتاريخ الاستعماري وحركات التحرّر الوطني (أصوات جزائرية)
اعتُبر كتاب هورن أحد المراجع الهامّة للباحثين والمهتمّين بالتاريخ الاستعماري وحركات التحرّر الوطني (أصوات جزائرية)

صاحِب هذا الكتاب هو الصحافي والمؤرّخ البريطاني أليستير هورن (1925 - 2017)، الذي ألّف قرابة عشرين كتاباً تناول في معظمها النزاعات المسلّحة في القرنين التاسع عشر والعشرين، خصوصاً تلك المتعلّقة بفرنسا، وتميّزت كتاباته بشيء من الدقّة والحيادية، وبأسلوبها السردي الجذّاب.

خصّص هورن كتاب "حرب ضارية من أجل السلام: الجزائر 1954 - 1962"، الذي صدر عام 1977 عن دار Viking Press في الولايات المتحدة، للثورة الجزائرية؛ حيث تناول فيه خلفياتها وأحداثها ونتائجها، وحلّل السياسات والإستراتيجيات والأحداث التي شكّلت مسار حرب التحرير، مضيئاً المعضلات الأخلاقية والسياسية التي واجهتها فرنسا خلال الفترة الاستعمارية، بما يجعل منه مرجعاً بارزاً لفهم تعقيدات الثورة التحريرية وتأثيراتها على كلّ من الجزائر وفرنسا.

أليستير هورن
أليستير هورن (1925 - 2017)

يتضمّن الكتاب 25 فصلاً موزّعةً بين جزأين؛ يبحث الأوّل الخلفية التاريخية للاستعمار الفرنسي للجزائر منذ عام 1830 وصولًا إلى حرب التحرير عام 1954. ويُخصَّص الثاني، وهو الأكبر، لحرب الاستقلال، بما في ذلك استراتيجيات "جبهة التحرير الوطني"، وردود الفعل الفرنسية، والأحداث الكبرى في الثورة؛ مثل معركة الجزائر (1956 - 1957)، واستخدام التعذيب من قبل جيش الاستعمار الفرنسي، والأزمات السياسية في فرنسا التي أدّت إلى سقوط الجمهورية الرابعة. كما يتضمّن الكتاب ملاحق تحتوي خاتمة، وببليوغرافيا، وجدولاً زمنياً للأحداث.

محاولة حياد

في كتابه "أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر" (1996)، الذي تضمّن ترجمةً لمقاطع من مقدّمة كتاب هورن، سجّل المؤرّخ الجزائري أبو القاسم سعد الله (1930 - 2013) أنّ "القارئ لكتاب الأستاذ هورن يجده، رغم محاولته الجادّة في الاحتفاظ بالتوازن والحياد، قد تأثّر، غريزياً فيما يبدو، باطلاعه الكثير على تاريخ وأحوال فرنسا وبإتقانه لغة الفرنسيين وبمجاورته لهم وبكثرة الحديث إلى رجالهم".

يضيف سعد الله: "لا شكّ أن نقص المصادر الجزائرية قد جعله يملأ فراغاته أحياناً بوجهة النظر الفرنسية التي توجد في مصادر الطرف الآخر"، فـ"عندما زار الجزائر واتّصل فيها بالمسؤولين وغير المسؤولين، لم يصادف ما كان متوقّعاً من مصادر. فقد وجد جدران القطيعة عالية، فلم يستطع الاطلاع على ما وراءها من أسرار الثورة، وواجهته أيضاً طبيعة الجزائريين البالغة في السرية والتحفّظ وعدم استعمال الكلمة المكتوبة. كما أنّ الموعد الذي ضُرب له مع الرئيس هواري بومدين قد أُلغي. وهكذا لم يستطع أن يجد في الجزائر ما وجده في فرنسا من مصادر لكتابه".

واجه هورن صعوبات في إجراء مقابلات مع قياديّي الثورة خلال زيارته للجزائر مطلع السبعينيات

رغم ذلك، رأى سعد الله أنّ الكتاب "يقترب أكثر من غيره من الحياد والشمولية. ثمّ هو لا يغطّي فترة فقط من فترات الثورة، بل يتناول الثورة في عهدها كلّه ومن جميع الوجوه تقريباً، وخصوصًا الوجه السياسي منها"، وهذا ما جعله يُعبّر عن أمنيته أن يتمكّن من ترجمة الكتاب إلى العربية ذات يوم، حتى يفيد منه الدارسون وطلّاب الحقيقة عن الثورة الجزائرية، وهو ما لم يتسنّ له، مثلما لم يتحقّق على يد مترجم آخر إلى اليوم.

أمّا هورن نفسه، فذكر في مقدّمة الكتاب أنّه وجد صعوبات في إجراء مقابلات مع قياديّي الثورة خلال زيارته للجزائر مطلع السبعينيات، وهو ما أدّى إلى نقص في شهادات الطرف الجزائري. وبسبب ذلك، كتب أنّه لا يستطيع، هو أو غيره، "الادعاء بالإحاطة الكاملة بصورة الحرب الجزائرية".

اهتمام أمريكي

حاز الكتاب "جائزة وولفسون للتاريخ" البريطانية عام 1978، ولقي اهتماماً كبيراً من قبل العديد من المؤرّخين والأكاديميين، إلى جانب السياسيين والعسكريين؛ إذ اعتُبر أحد المراجع الهامّة للباحثين والمهتمّين بالتاريخ الاستعماري وحركات التحرّر الوطني. وعلى مدار سنوات، كان من بين الكتب الأكثر مبيعاً في أوساط الجيش الأمريكي، وفي الولايات المتّحدة بشكل عام.

في عام 2006، أُعيد نشره في طبعة ثالثة مع مقدّمة جديدة (صدرت الطبعة الثانية عام 1987)؛ حيث أصبح يُستشهد به على نطاق واسع في الأوساط الأكاديمية والعسكرية، بالنظر إلى التشابهات بين حرب التحرير الجزائرية والصراعات العسكرية الحديثة، وخصوصًا في العراق.

في تلك الفترة، أصبح هورن موضع اهتمام من الطبقة السياسية الأمريكية، بعد أن اطّلع الرئيس الأمريكي حينها، جورج دبليو بوش، على كتابه الذي أهداه له هنري كيسنجر ونصحه بقراءته بتمعّن لـ"الاستفادة منه في حرب العراق". وقد دعا بوش المؤرّخَ البريطاني إلى البيت الأبيض لإجراء حديث معه حول الكتاب.

ما أرادت إدارة بوش استخلاصه من الكتاب هو النقيض تماماً ممّا كان يبحث عنه مانديلا وعرفات

في مقابلة صحافية أجراها معه الصحافي الأمريكي غاري كاميا عام 2007، ذكر هورن أنّ بوش كتب له رسالة بخطّ يده أخبره فيها أنّه مهتمّ جدّاً بكتبه، وخصوصاً بكتابه "حرب ضارية من أجل السلام"، الذي قال إنّه "كان مفيداً للغاية" بالنسبة إليه. وعلّق هورن على ذلك: "أنْ يكون الكتاب ضمن قائمة القراءة الأساسية لإدارة بوش، فذلك من المفارقات الفكرية اللافتة في السنوات الأخيرة؛ فهو يروي الهزيمة الحتمية لقوّة استعمارية على يد مجموعة صغيرة، لكن مصمّمة... وليس من نوعية الكتب التي تتوقّع أن يلجأ إليها بوش ودائرته المقرّبة".

اعتبر هورن أنّ حرب التحرير الجزائرية لا تزال النموذج الأصلي للحرب الحديثة من أجل التحرّر الوطني، مشيراً إلى أنّ مناضلي "المؤتمر الوطني الأفريقي" بقيادة نيلسون مانديلا، والقادة الفلسطينيين، درسوا هذه الحرب، والآن، ها هو جورج دبليو بوش أيضاً يقرأها. لكن كاميا لم يفوّت الإشارة إلى أنّ ما أرادت إدارة بوش استخلاصه من الكتاب هو النقيض تماماً ممّا كان يبحث عنه مانديلا وعرفات؛ فـ"قد كان هؤلاء يبحثون عن دروس تقودهم إلى الانتصار على قوى الاحتلال؛ أمّا مسؤولو بوش، فهُم يبحثون عن إشارات قد تساعدهم على التغلّب على تمرّد عنيد، أو على الأقل: إيجاد استراتيجية خروجٍ قابلة للتطبيق".

من الجزائر إلى العراق وفلسطين

استعرض هورن، خلال هذه المقابلة الصحافية، ستّة نقاط اعتبر أنّها تُمثّل أوجه التشابه بين الحالتَين الجزائرية والعراقية. أمّا "أكثرها أهمّيةً وإيلاماً" وفق تعبيره، فهي مسألة التعذيب: "في الجزائر، استخدمت فرنسا التعذيب - وليس مجرّد الإساءة - كأداة فعّالة في الحرب. وقد نجحوا جزئياً؛ حيث حصلوا على بعض المعلومات الاستخباراتية. لكنّهم حصلوا أيضاً على معلومات خاطئة كثيرة، وهذا أمر لا مفرّ منه. والأسوأ من ذلك، من وجهة نظر فرنسا، هو أنّ انتشار أخبار التعذيب في الداخل الفرنسي أثار صدمة شديدة أدّت مباشرة إلى استسلام فرنسا. ولم تقتصر الصدمة عليها، بل شملت العالم أيضاً".

وأضاف: "أنا مقتنع تماماً بأنّه لا يجوز، تحت أيّ ظرف، استخدام التعذيب، فضلاً عن الإساءة. قد تكون الإساءة، من وجه ما، أقلّ فظاعة من التعذيب، لكنّها في وجه آخر أكثر فظاعة لأنّها عبثية ولا تُحقّق شيئاً. ما حدث في سجن أبو غريب كان مروّعاً. في حرب الجزائر، كانت وسائل الإعلام بدائية؛ حيث استغرق الأمر نحو عام لتصل الأخبار إلى الصحافة الفرنسية. لم يكن هناك تلفاز حينها. أمّا في أبو غريب، فقد ظهرت الصور على قناة الجزيرة في اليوم التالي. وكان التأثير هائلاً في العالم الإسلامي بأسره".

كان الكتابُ القراءةَ المفضّلة لدى شارون قبل النوم، غير أنّه قرأه من اليسار إلى اليمين ففهم الرسالة بشكل خاطئ تماماً

في هذا السياق، روى هورن تفاصيل موقف جمعه بوزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد، قائلاً: "جرت دعوتي إلى البنتاغون لتناول الغداء مع رامسفيلد، وأُشير عليّ أن أحمل نسخة من كتابي 'حرب ضارية من أجل السلام'. وكان ذلك في مايو 2005، أي بعد عام من فضيحة أبو غريب. أُلغي الغداء في اللحظة الأخيرة، فتركت له الكتاب، وفكّرت أنّه رجُلٌ مشغول للغاية، لذا وضعتُ علامات على بعض الفقرات التي أراها ذات صلة خاصّة بالعراق، وكانت في معظمها تتعلّق بالتعذيب. بعد ذلك، كتب لي رامسفيلد ردّاً مقتضباً: 'كما تعلم جيّدًا، نحن لا نؤمن باستخدام التعذيب'. وكانت تلك طريقته في قول: أنت أحمق. اصمت".

تحدّث هورن، أيضاً، عن لقاء جمعه بالجنرال أوغستو بينوشيه، الديكتاتور التشيلي الذي كان مسؤولًا عن آلاف الإعدامات خارج نطاق القضاء والاختفاءات والتعذيب واسع النطاق: "سنحت لي الفرصة لمقابلة بينوشيه عام 1987، عندما كان لا يزال في السلطة. كان كتاب 'حرب ضارية من أجل السلام' قد تُرجم إلى اللغة الإسبانية. وأعتقد أنّني كنت أوّل صحافي بريطاني يتحدّث معه، ويرجع ذلك أساساً إلى أنّه قرأ الكتاب. بدأ المقابلةَ بالإعراب عن إعجابه الشديد به، وفكّرتُ أنّ هذه فرصة لا تُفوّت، فقلت له: 'بطبيعة الحال، لا حاجة لأن أُذكّرك بأنّ الجيش الفرنسي كسب معركة الجزائر باستخدام التعذيب، لكنه خسر الحرب'، فنظر إليَّ نظرةً مباشرة تماماً وقال: نعم، ولكن في تشيلي لم نستخدم التعذيب قطّ".

أخبر غاري كاميا محدّثه أنّه، بينما كان يقرأ كتاب "حرب ضارية من أجل السلام: الجزائر 1954 - 1962"، شعر أنّه ذو صلة بالحرب في العراق، لكنّه مرتبطٌ أكثر بـ"الصراع الإسرائيلي الفلسطيني"، فعلّق أليستر هورن: "أعتقد أنّك محقّ. هل تعلم أنّني اكتشفت أنّ كتابي كان القراءة المفضّلة لدى شارون قبل النوم؟"، ثم ضحك وأضاف: "وقد قرأه من اليسار إلى اليمين، ففهم الرسالة بشكل خاطئ تماماً".

حرب ضارية من أجل السلام - بطاقة
اقرأ أيضاً

ورق قديم

"مجنون" جزائري غنّت عنه أم كلثوم "هل رأى الحب سكارى مثله؟"

قدّمت أم كلثوم حفلَين في "قاعة الأولمبيا" بباريس عام 1967. وممّا ظلّ عالقاً بالأذهان منهما سقوطها على المسرح، بسبب معجَب جزائري.

محمد علاوة حاجي
محمد علاوة حاجي كاتب وصحافي جزائري. بدأ الكتابة الصحافية مدوناً في 2005، ثم عمل في عدد من المؤسسات الصحافية الجزائرية والعربية، بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. صدرت له مجموعة قصصية في 2008 ورواية في 2013.

ذات صلة

عندما دعت جمعية العلماء المسلمين إلى بديل عن جبهة التحرير الوطني

كتب - الجزائر

عندما دعت جمعية العلماء المسلمين إلى بديل عن جبهة التحرير الوطني

رحيل إلين مختفي... شاهدة على لحظتَي الثورة والاستقلال

وجه

رحيل إلين مختفي... شاهدة على لحظتَي الثورة والاستقلال

آنّا غريكي.. استعادةٌ في ذكرى رحيلها الستين

وجه - الجزائر

آنّا غريكي.. استعادةٌ في ذكرى رحيلها الستين

رحيل محمد حربي.. الثورة الجزائرية خارج التاريخ الرسمي

وجه - الجزائر

رحيل محمد حربي.. الثورة الجزائرية خارج التاريخ الرسمي

"حرب ضارية من أجل السلام" لأليستير هورن: الثورة الجزائرية من منظور مؤرّخ بريطاني

أثار كتاب أليستير هورن عن الثورة الجزائرية اهتمام سياسيين وعسكريين مثل بوش وبينوشيه، إضافةً إلى شارون الذي قرأه "بشكل مقلوب".
اعتُبر كتاب هورن أحد المراجع الهامّة للباحثين والمهتمّين بالتاريخ الاستعماري وحركات التحرّر الوطني (أصوات جزائرية)
اعتُبر كتاب هورن أحد المراجع الهامّة للباحثين والمهتمّين بالتاريخ الاستعماري وحركات التحرّر الوطني (أصوات جزائرية)

صاحِب هذا الكتاب هو الصحافي والمؤرّخ البريطاني أليستير هورن (1925 - 2017)، الذي ألّف قرابة عشرين كتاباً تناول في معظمها النزاعات المسلّحة في القرنين التاسع عشر والعشرين، خصوصاً تلك المتعلّقة بفرنسا، وتميّزت كتاباته بشيء من الدقّة والحيادية، وبأسلوبها السردي الجذّاب.

خصّص هورن كتاب "حرب ضارية من أجل السلام: الجزائر 1954 - 1962"، الذي صدر عام 1977 عن دار Viking Press في الولايات المتحدة، للثورة الجزائرية؛ حيث تناول فيه خلفياتها وأحداثها ونتائجها، وحلّل السياسات والإستراتيجيات والأحداث التي شكّلت مسار حرب التحرير، مضيئاً المعضلات الأخلاقية والسياسية التي واجهتها فرنسا خلال الفترة الاستعمارية، بما يجعل منه مرجعاً بارزاً لفهم تعقيدات الثورة التحريرية وتأثيراتها على كلّ من الجزائر وفرنسا.

أليستير هورن
أليستير هورن (1925 - 2017)

يتضمّن الكتاب 25 فصلاً موزّعةً بين جزأين؛ يبحث الأوّل الخلفية التاريخية للاستعمار الفرنسي للجزائر منذ عام 1830 وصولًا إلى حرب التحرير عام 1954. ويُخصَّص الثاني، وهو الأكبر، لحرب الاستقلال، بما في ذلك استراتيجيات "جبهة التحرير الوطني"، وردود الفعل الفرنسية، والأحداث الكبرى في الثورة؛ مثل معركة الجزائر (1956 - 1957)، واستخدام التعذيب من قبل جيش الاستعمار الفرنسي، والأزمات السياسية في فرنسا التي أدّت إلى سقوط الجمهورية الرابعة. كما يتضمّن الكتاب ملاحق تحتوي خاتمة، وببليوغرافيا، وجدولاً زمنياً للأحداث.

محاولة حياد

في كتابه "أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر" (1996)، الذي تضمّن ترجمةً لمقاطع من مقدّمة كتاب هورن، سجّل المؤرّخ الجزائري أبو القاسم سعد الله (1930 - 2013) أنّ "القارئ لكتاب الأستاذ هورن يجده، رغم محاولته الجادّة في الاحتفاظ بالتوازن والحياد، قد تأثّر، غريزياً فيما يبدو، باطلاعه الكثير على تاريخ وأحوال فرنسا وبإتقانه لغة الفرنسيين وبمجاورته لهم وبكثرة الحديث إلى رجالهم".

يضيف سعد الله: "لا شكّ أن نقص المصادر الجزائرية قد جعله يملأ فراغاته أحياناً بوجهة النظر الفرنسية التي توجد في مصادر الطرف الآخر"، فـ"عندما زار الجزائر واتّصل فيها بالمسؤولين وغير المسؤولين، لم يصادف ما كان متوقّعاً من مصادر. فقد وجد جدران القطيعة عالية، فلم يستطع الاطلاع على ما وراءها من أسرار الثورة، وواجهته أيضاً طبيعة الجزائريين البالغة في السرية والتحفّظ وعدم استعمال الكلمة المكتوبة. كما أنّ الموعد الذي ضُرب له مع الرئيس هواري بومدين قد أُلغي. وهكذا لم يستطع أن يجد في الجزائر ما وجده في فرنسا من مصادر لكتابه".

واجه هورن صعوبات في إجراء مقابلات مع قياديّي الثورة خلال زيارته للجزائر مطلع السبعينيات

رغم ذلك، رأى سعد الله أنّ الكتاب "يقترب أكثر من غيره من الحياد والشمولية. ثمّ هو لا يغطّي فترة فقط من فترات الثورة، بل يتناول الثورة في عهدها كلّه ومن جميع الوجوه تقريباً، وخصوصًا الوجه السياسي منها"، وهذا ما جعله يُعبّر عن أمنيته أن يتمكّن من ترجمة الكتاب إلى العربية ذات يوم، حتى يفيد منه الدارسون وطلّاب الحقيقة عن الثورة الجزائرية، وهو ما لم يتسنّ له، مثلما لم يتحقّق على يد مترجم آخر إلى اليوم.

أمّا هورن نفسه، فذكر في مقدّمة الكتاب أنّه وجد صعوبات في إجراء مقابلات مع قياديّي الثورة خلال زيارته للجزائر مطلع السبعينيات، وهو ما أدّى إلى نقص في شهادات الطرف الجزائري. وبسبب ذلك، كتب أنّه لا يستطيع، هو أو غيره، "الادعاء بالإحاطة الكاملة بصورة الحرب الجزائرية".

اهتمام أمريكي

حاز الكتاب "جائزة وولفسون للتاريخ" البريطانية عام 1978، ولقي اهتماماً كبيراً من قبل العديد من المؤرّخين والأكاديميين، إلى جانب السياسيين والعسكريين؛ إذ اعتُبر أحد المراجع الهامّة للباحثين والمهتمّين بالتاريخ الاستعماري وحركات التحرّر الوطني. وعلى مدار سنوات، كان من بين الكتب الأكثر مبيعاً في أوساط الجيش الأمريكي، وفي الولايات المتّحدة بشكل عام.

في عام 2006، أُعيد نشره في طبعة ثالثة مع مقدّمة جديدة (صدرت الطبعة الثانية عام 1987)؛ حيث أصبح يُستشهد به على نطاق واسع في الأوساط الأكاديمية والعسكرية، بالنظر إلى التشابهات بين حرب التحرير الجزائرية والصراعات العسكرية الحديثة، وخصوصًا في العراق.

في تلك الفترة، أصبح هورن موضع اهتمام من الطبقة السياسية الأمريكية، بعد أن اطّلع الرئيس الأمريكي حينها، جورج دبليو بوش، على كتابه الذي أهداه له هنري كيسنجر ونصحه بقراءته بتمعّن لـ"الاستفادة منه في حرب العراق". وقد دعا بوش المؤرّخَ البريطاني إلى البيت الأبيض لإجراء حديث معه حول الكتاب.

ما أرادت إدارة بوش استخلاصه من الكتاب هو النقيض تماماً ممّا كان يبحث عنه مانديلا وعرفات

في مقابلة صحافية أجراها معه الصحافي الأمريكي غاري كاميا عام 2007، ذكر هورن أنّ بوش كتب له رسالة بخطّ يده أخبره فيها أنّه مهتمّ جدّاً بكتبه، وخصوصاً بكتابه "حرب ضارية من أجل السلام"، الذي قال إنّه "كان مفيداً للغاية" بالنسبة إليه. وعلّق هورن على ذلك: "أنْ يكون الكتاب ضمن قائمة القراءة الأساسية لإدارة بوش، فذلك من المفارقات الفكرية اللافتة في السنوات الأخيرة؛ فهو يروي الهزيمة الحتمية لقوّة استعمارية على يد مجموعة صغيرة، لكن مصمّمة... وليس من نوعية الكتب التي تتوقّع أن يلجأ إليها بوش ودائرته المقرّبة".

اعتبر هورن أنّ حرب التحرير الجزائرية لا تزال النموذج الأصلي للحرب الحديثة من أجل التحرّر الوطني، مشيراً إلى أنّ مناضلي "المؤتمر الوطني الأفريقي" بقيادة نيلسون مانديلا، والقادة الفلسطينيين، درسوا هذه الحرب، والآن، ها هو جورج دبليو بوش أيضاً يقرأها. لكن كاميا لم يفوّت الإشارة إلى أنّ ما أرادت إدارة بوش استخلاصه من الكتاب هو النقيض تماماً ممّا كان يبحث عنه مانديلا وعرفات؛ فـ"قد كان هؤلاء يبحثون عن دروس تقودهم إلى الانتصار على قوى الاحتلال؛ أمّا مسؤولو بوش، فهُم يبحثون عن إشارات قد تساعدهم على التغلّب على تمرّد عنيد، أو على الأقل: إيجاد استراتيجية خروجٍ قابلة للتطبيق".

من الجزائر إلى العراق وفلسطين

استعرض هورن، خلال هذه المقابلة الصحافية، ستّة نقاط اعتبر أنّها تُمثّل أوجه التشابه بين الحالتَين الجزائرية والعراقية. أمّا "أكثرها أهمّيةً وإيلاماً" وفق تعبيره، فهي مسألة التعذيب: "في الجزائر، استخدمت فرنسا التعذيب - وليس مجرّد الإساءة - كأداة فعّالة في الحرب. وقد نجحوا جزئياً؛ حيث حصلوا على بعض المعلومات الاستخباراتية. لكنّهم حصلوا أيضاً على معلومات خاطئة كثيرة، وهذا أمر لا مفرّ منه. والأسوأ من ذلك، من وجهة نظر فرنسا، هو أنّ انتشار أخبار التعذيب في الداخل الفرنسي أثار صدمة شديدة أدّت مباشرة إلى استسلام فرنسا. ولم تقتصر الصدمة عليها، بل شملت العالم أيضاً".

وأضاف: "أنا مقتنع تماماً بأنّه لا يجوز، تحت أيّ ظرف، استخدام التعذيب، فضلاً عن الإساءة. قد تكون الإساءة، من وجه ما، أقلّ فظاعة من التعذيب، لكنّها في وجه آخر أكثر فظاعة لأنّها عبثية ولا تُحقّق شيئاً. ما حدث في سجن أبو غريب كان مروّعاً. في حرب الجزائر، كانت وسائل الإعلام بدائية؛ حيث استغرق الأمر نحو عام لتصل الأخبار إلى الصحافة الفرنسية. لم يكن هناك تلفاز حينها. أمّا في أبو غريب، فقد ظهرت الصور على قناة الجزيرة في اليوم التالي. وكان التأثير هائلاً في العالم الإسلامي بأسره".

كان الكتابُ القراءةَ المفضّلة لدى شارون قبل النوم، غير أنّه قرأه من اليسار إلى اليمين ففهم الرسالة بشكل خاطئ تماماً

في هذا السياق، روى هورن تفاصيل موقف جمعه بوزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد، قائلاً: "جرت دعوتي إلى البنتاغون لتناول الغداء مع رامسفيلد، وأُشير عليّ أن أحمل نسخة من كتابي 'حرب ضارية من أجل السلام'. وكان ذلك في مايو 2005، أي بعد عام من فضيحة أبو غريب. أُلغي الغداء في اللحظة الأخيرة، فتركت له الكتاب، وفكّرت أنّه رجُلٌ مشغول للغاية، لذا وضعتُ علامات على بعض الفقرات التي أراها ذات صلة خاصّة بالعراق، وكانت في معظمها تتعلّق بالتعذيب. بعد ذلك، كتب لي رامسفيلد ردّاً مقتضباً: 'كما تعلم جيّدًا، نحن لا نؤمن باستخدام التعذيب'. وكانت تلك طريقته في قول: أنت أحمق. اصمت".

تحدّث هورن، أيضاً، عن لقاء جمعه بالجنرال أوغستو بينوشيه، الديكتاتور التشيلي الذي كان مسؤولًا عن آلاف الإعدامات خارج نطاق القضاء والاختفاءات والتعذيب واسع النطاق: "سنحت لي الفرصة لمقابلة بينوشيه عام 1987، عندما كان لا يزال في السلطة. كان كتاب 'حرب ضارية من أجل السلام' قد تُرجم إلى اللغة الإسبانية. وأعتقد أنّني كنت أوّل صحافي بريطاني يتحدّث معه، ويرجع ذلك أساساً إلى أنّه قرأ الكتاب. بدأ المقابلةَ بالإعراب عن إعجابه الشديد به، وفكّرتُ أنّ هذه فرصة لا تُفوّت، فقلت له: 'بطبيعة الحال، لا حاجة لأن أُذكّرك بأنّ الجيش الفرنسي كسب معركة الجزائر باستخدام التعذيب، لكنه خسر الحرب'، فنظر إليَّ نظرةً مباشرة تماماً وقال: نعم، ولكن في تشيلي لم نستخدم التعذيب قطّ".

أخبر غاري كاميا محدّثه أنّه، بينما كان يقرأ كتاب "حرب ضارية من أجل السلام: الجزائر 1954 - 1962"، شعر أنّه ذو صلة بالحرب في العراق، لكنّه مرتبطٌ أكثر بـ"الصراع الإسرائيلي الفلسطيني"، فعلّق أليستر هورن: "أعتقد أنّك محقّ. هل تعلم أنّني اكتشفت أنّ كتابي كان القراءة المفضّلة لدى شارون قبل النوم؟"، ثم ضحك وأضاف: "وقد قرأه من اليسار إلى اليمين، ففهم الرسالة بشكل خاطئ تماماً".

حرب ضارية من أجل السلام - بطاقة
اقرأ أيضاً

ورق قديم

"مجنون" جزائري غنّت عنه أم كلثوم "هل رأى الحب سكارى مثله؟"

قدّمت أم كلثوم حفلَين في "قاعة الأولمبيا" بباريس عام 1967. وممّا ظلّ عالقاً بالأذهان منهما سقوطها على المسرح، بسبب معجَب جزائري.

محمد علاوة حاجي
محمد علاوة حاجي كاتب وصحافي جزائري. بدأ الكتابة الصحافية مدوناً في 2005، ثم عمل في عدد من المؤسسات الصحافية الجزائرية والعربية، بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. صدرت له مجموعة قصصية في 2008 ورواية في 2013.

المزيد من كتب

  • عندما دعت جمعية العلماء المسلمين إلى بديل عن جبهة التحرير الوطني
    كتب - الجزائر

    عندما دعت جمعية العلماء إلى بديل عن جبهة التحرير

    بينما كانت الثورة الجزائرية تدخل شهرها السادس، دعت "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" إلى "النضال السلمي" في "حركة سياسية".

    13 سبتمبر 2026

  • عبد الرحمن منيف في عشر روايات.. قِطَع مرآة لفهم هزائمنا
    كتب

    عبد الرحمن منيف في 10 روايات.. مرآة لفهم هزائمنا

    ظلّ مشروع عبد الرحمن منيف الإبداعي، بعد أكثر من عشرين عاماً من رحيله، يشغل الناس، ذلك أنه كان يخاطبهم بوضوح ولا يزال.

    07 ديسمبر 2025