في جانفي الماضي، احتضن "المركز الدولي للمؤتمرات" بالجزائر العاصمة، على مدار يومَين، "جلسات وطنية للسينما"، بمشاركة عدد كبير من المشتغلين في مجال الفنّ السابع بالجزائر.
كان الهدف، وفق تعبير وزير الثقافة السابق زهير بللو، هو "البحث سويّاً عن غدٍ أفضل للسينما الجزائرية"، من خلال "إعداد خارطة طريق عملياتية تُمكّن من تحقيق خطوات ملموسة نحو تأسيس صناعة سينمائية حديثة وتنافسية".
رؤية جديدة؟
حظيت الجلسات، التي قالت وزارة الثقافة حينها إنّها تندرج "ضمن رؤية جديدة شاملة ومنسّقة وتشاركية حقيقية تتماشى والطموحات الوطنية وتستجيب لتحدّيات القطاع السينمائي المُعاصر"، باهتمام رسمي كبير؛ فقد أُقيمت برعاية الرئيس عبد المجيد تبون، الذي دعا المشاركين، خلال إشرافه على افتتاحها، إلى إبداء آرائهم واقتراحاتهم، والعمل على إيجاد حلول للمشاكل المطروحة في القطاع، والخروج بـ"توصيات تُسهِم في بعث السينما الجزائرية من جديد".
وبالفعل، خرج المشاركون، من مُخرجين ومُنتجين وكتّاب سيناريو وأكاديميّين وغيرهم، بعددٍ غير قليل من التوصيات التي مسّت جوانب مختلفة؛ مثل إنشاء مركز سينمائي توكَل إليه مهمّة إدارة وتسيير قطاع السينما، ومجلس أعلى للسينما يُعنى بالتفكير ومتابعة تطوير الصناعة السينمائية، ووضع نصوص تنظيمية لتشجيع الاستثمارات الخاصّة، وتسهيل الإجراءات الإدارية، وتعزيز الاتفاقيات الدولية للإنتاج المشترك، وإنشاء آلية لدعم تسويق الأفلام الجزائرية محلّياً ودولياً، وتعزيز ميزانية "الصندوق الوطني لتطوير التقنية والصناعة السينمائية"، وضبط عقد مهني نموذجي موحَّد يُحدّد حقوق السينمائيّين وواجباتهم، وإلزام القنوات التلفزيونية العامّة والخاصّة بشراء الأفلام الجزائرية أو المشاركة في إنتاجها، إلى جانب جرد وتوثيق الأرشيف السينمائي الوطني، وإنشاء بنك لحفظ الأفلام، والعمل على إنجاز مركز لحفظ البيانات، ومواصلة استرجاع قاعات السينما من طرف وزارة الثقافة، وبناء قاعات جديدة، واستحداث ديوان وطني لتسيير القاعات.
بعد عام
ما الذي تحقّق من كلّ تلك التوصيات بعد مرور قرابة عام؟ سؤال تُجيب عنه رسالةٌ مفتوحة وجّهها أكثر من 164 سينمائيّاً جزائرياً إلى الرئيس عبد المجيد تبّون مطلع الشهر الجاري، وقالوا فيها إنّه، وعلى الرغم من الاهتمام الذي أولاه لقطاع السينما عبر سلسلة من التوجيهات الداعمة له، إلّا أنّ "وضع السينما الجزائرية الراهن يبعث على القلق الشديد"؛ حيث "مرّت سنةٌ كاملة تقريباً على انعقاد الجلسات الوطنية للسينما. ومع ذلك، لم نُسجّل حتى يومنا هذا أيَّ تجسيد ملموس - ولو جزئي - للتوصيات والمقترحات التي تقدّم بها مهنيو القطاع"، متسائلين: "من يتحمّل مسؤولية تعطيل تنفيذ هذه التوصيات والمقترحات؟".
قال الموقّعون على الرسالة إنّ الدولة لم تُموّل أيّ عمل سينمائي خلال عام 2025
أشار السينمائيون الموقِّعون على الرسالة إلى جملة من الاختلالات في قطاع السينما؛ من بينها: "تبنّي مراسيم وتشريعات هدفها ترسيخ البيروقراطية"، و"الحدّ من مساحات الإبداع"، و"إبعاد أهل المهنة عن المشاركة الفعلية في عملية صنع القرار"، مستشهدين، في هذا السياق، بالمرسوم المتعلّق بإنشاء "المركز الوطني للسينما"، والذي قالوا إنّه و"بدل أن يستجيب للاحتياجات الملحّة للقطاع، يُكرّس رؤية إدارية بحتة، بعيدة كلّ البعد عن واقع الميدان. كما أنّه لا يترجم إرادتكم المعلنة للنهوض بالسينما، ولا يستجيب لدعوتكم الملحّة للسينمائيين بضرورة تنظيم أنفسهم ضمن هذا الإطار".
"سنةٌ بيضاء"
لفت الموقّعون إلى أنّه، ورغم مطالب السينمائيّين بتوفير الموارد المالية وتنويع مصادرها، إلّا أنّ 2025 كانت "سنة بيضاء للإنتاج السينمائي"؛ حيث "لم يتمّ تمويل أيّ عمل سينمائي يُذكر، ولو كان فيلماً قصيراً".
وقال السينمائيون، في رسالتهم أيضاً، إنّ "صندوق الدعم السينمائي" الذي حُلّ في 2021 ثمّ أُعيد بعثُه مجدَّداً، لم يدخل حيّز التنفيذ الفعلي بعد، وأضافوا أنّ "الميزانية الإجمالية المخصَّصة للإنتاج السينمائي خلال هذه السنوات بالكاد تتجاوز تكلفة إنتاج فيلم واحد متوسّط وفقاً للمقاييس الدولية".
خمسة مَطالِب
دعت الرسالة إلى "تهيئة الظروف اللازمة لإعادة بعث النشاط السينمائي"، مُعتبرةً أنّ "تطوير قطاع السينما يعتمد على توفير بيئة عمل واضحة ومستقرّة، واعتماد الآليات المعمول بها دوليّاً".
ووفق السينمائيّين الموقّعين على الرسالة المفتوحة، فإنّ تحقيق ذلك يتطلّب "التزاماً فعلياً من السلطات العمومية" بتنفيذ مجموعة من الإجراءات التي حدّدوها في خمسة نقاط؛ هي: "تفعيل وتجسيد مقترحات وتوصيات الجلسات الوطنية"، و"إلغاء أو تعديل التشريعات والقوانين التي تُعرقل النشاط السينمائي"، و"تفعيل صندوق دعم السينما وتحديد آليات تسييره بوضوح وشفافية مع ضمان استمرارية التمويل العمومي وزيادة غلافه المالي للمشاريع السينمائية وفق معايير مهنية وموضوعية"، و"تنظيم المركز الجزائري للسينما عبر مرسوم جديد واضح يُعزّز صلاحياته ومهامه وتعيين مديره بمرسوم رئاسي"، و"إشراك المهنيّين في صياغة القرارات المتعلّقة بالقطاع".
مشهد
أحمد رضا حوحو يودّع "مكتبة الثقافة العربية"
مكتبةٌ جزائرية أُخرى تغلق أبوابها. هذه المرّة "مكتبة الثقافة العربية"، والسبب "ارتفاع ثمن الإيجار مقابل انخفاض مبيعات الكتب".