عند التاسعة من مساء 15 نوفمبر 1967، وقفت أم كلثوم على خشبة "مسرح الأولمبيا"1في الدائرة التاسعة بالعاصمة الفرنسية، أمام جمهور غفير من العرب والفرنسيين واليهود الشرقيين الذين أتوا لحضور ثاني حفلاتها في القاعة نفسها، بعد حفلها التاريخي قبل يومَين.
كان اهتمام الصحافة الفرنسية بالحفل أقلَّ من اهتمامها بسابقه. فعادةً ما يُنظَر إلى الحفل الثاني، في أيّ بلد، كاستدراك لمن فاتهم الحفل الأول الذي يستقطب حضوراً أكبر. غير أنّ ما ظلّ عالقاً بالأذهان فيه هو سقوط أمّ كلثوم على خشبة المسرح، بسبب معجب جزائري.
"مجنون" في الصفّ الأول
بدأت "كوكب الشرق" الحفل بأغنية "أمل حياتي"2 التي استمرّت ساعة وعشرين دقيقة. وكانت ستُغنّي "أراك عصيَّ الدمع"3 بعدها، غير أنّها فضّلت الاستجابة للجمهور الذي طلب منها إعادة غناء قصيدة "الأطلال"4 التي أدّتها في الحفل الأوّل.
هاجت القاعة وعلا التصفيق بمجرّد أن أخذت الفرقة الموسيقية تعزف مقدّمة الأغنية، ثمّ استمرّت الوصلةُ في هدوء نسبي مقارنةً بالوصلة الأُولى. لكن، وفي الثلث الأخير من القصيدة، وبعد أن انتهت أم كلثوم من أداء المقطع الذروة في الأغنية "هل رأى الحب سكارى مثلنا؟"، اندفع شابٌّ جزائري، فارع الطول أنيق الهندام، كان جالساً أقصى الصفّ الأوّل على يسارها، إلى خشبة المسرح بسرعة جنونية. وفي غضون ثوانٍ، اعتلى الخشبة وارتمى عند قدمَي "الستّ" وراح يُقبّلهما.
من دون جدوى، حاولت أم كلثوم أن تُبعد الشاب عنها؛ فقد لفّ جسده حول قدميها وتشبّث بهما بشدّة. ساد الهرج والمرج في القاعة، ووضَع بعضُ أفراد الفرقة آلاتهم جانباً وهُرعوا لمساعدة أم كلثوم في ذلك الموقف، وكذلك فعل بعض مرافقيها الذين كانوا في الصف الأمامي، لكنّ جميع المحاولات باءت بالفشل.
سحبت أم كلثوم قدميها بقوّة أخيراً. غير أنّ الشاب جذبها بقوّة أكبر، فلم تتحمّل وسقطت على الخشبة مستلقيةً على ظهرها، حتّى كادت مؤخّرة رأسها ترتطم بحافّة المساحة المخصَّصة للفرقة الموسيقية.
للحظات، حُبست الأنفاس وغرقت القاعة في صمت رهيب أمام مشهد أمّ كلثوم، التي كانت حينها في التاسعة والستين من عمرها، وقد سقطت أرضاً وارتفع جزءٌ من ثوبها حتى انكشفت ساقاها إلى أعلى الركبة بقليل. وبينما كان أفراد فرقتها يساعدونها على النهوض ويحاولون التأكّد من أنّها لم تُصَب بأذىً، صعد اثنان من رجال الأمن وأمسكا بالمعجب وأنزلاه من الخشبة، فاستقبله الجمهور الغاضب بلكمات أسالت دمه، ما تطلّب نقله إلى المستشفى.
هل رأى الحب سكارى مثله؟
هذه الحادثة يتناولها، بشيء من التفصيل، كتابان صدرا في السنوات الأخيرة ضمن مجموعة من الكتب التي نُشرت بالتزامن مع مرور خمسين عاماً على رحيل "كوكب الشرق" (1898 - 1975)؛ هُما: "أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي"5 للباحث المصري كريم جمال، و"أم كلثوم: من الميلاد إلى الأسطورة"6 للكاتب والصحافي المصري حسن عبد الموجود.
قرّرت أم كلثوم، التي اعتادت التعامل مع المواقف الصعبة في حفلاتها، أن تتجاوز ذلك الموقف وبأقصى سرعة؛ فبعد أربع دقائق فقط، وقفَت ونفضت ثوبها البنفسجي وهي تقول لرجال الفرقة في ضيق: "إيه ده؟"، ثم أعطتهم الإشارة بإكمال العزف.
وهكذا، واصلت غناء باقي مقاطع القصيدة، بل إنّها أخذت تكرّر المقطع ذاته الذي تسبّب في انفعال الشاب الجزائري. غير أنّ الجمهور المصدوم ممّا حدث كان أكثر هدوءاً هذه المرّة، خشية أن يثير تفاعلُه مع الغناء مزيداً من الحوادث.
طلبت أم كلثوم من السفير المصري التدخّل لدى الشرطة الفرنسية حتى لا يُصيب ذلك الشابّ أيُّ مكروه
ووفق كتاب "أم كلثوم: من الميلاد إلى الأسطورة"، فقد "عزفت الفرقة موسيقى الأطلال، ثمّ غنّت أم كلثوم مقطع هل رأى الحب سكارى مثلنا، قبل أن تُشير إلى العاشق الجزائري وتُغيّر الضمير في الجملة إلى: هل رأى الحب سكارى مثله؟، ليتفجّر المسرح بالحماسة والضحك"7.
يذكر كريم جمال، في كتابه، أنّ أم كلثوم طلبت، بعد نهاية الوصلة الثانية، أن تعرف من هو ذلك الشابّ وما مصيره، فأخبرها السفير المصري في باريس، عبد المنعم النجار، أنّه جزائريُّ الجنسية، يعمل في باريس، وأنّه ظلّ يدّخر طيلة شهر كامل مبلغ 120 فرنكاً فرنسياً هو ثمن تذكرة حفل "معبودته الفنّية التي يهيم بصوتها منذ أن كان طفلاً في الجزائر"8.
طلبت أم كلثوم من السفير التدخّل لدى الشرطة الفرنسية حتى لا يُصيب ذلك الشابّ أيُّ مكروه. وبالفعل، تواصل السفير مع الشرطة، ثمّ عاد ليُخبر "الستّ" أنّ البوليس الفرنسي سيفرج عنه بعد أن استمع إلى أقواله وتأكَّد أنّ ما فعله لم يكن سوى بسبب انفعاله، حين أراد التعبير عن تقديره لأم كلثوم.
"إسرائيلي متعصّب!"
يُشير جمال إلى أنّ الحادثة أثارت اهتمام الصحافة الفرنسية؛ حيث نشرت مجلّة Paris Match تحقيقاً حوله في عددها الصادر يوم 25 نوفمبر 1967، أرفقته بصور لأم كلثوم وهي مستلقية على المسرح بعدما أوقعها ذلك الشابّ. أمّا وكالة Les Reporters Associés، فزعمت أنّ الشابّ "إسرائيلي متعصّب أراد الاعتداء على أم كلثوم".
اهتمّت الصحافة اللبنانية أيضاً بالحادثة؛ فقد خصّصت مجلّة "الشبكة"، مثلاً، تحقيقاً عنها في عددها الصادر يوم 27 نوفمبر 1967، ونشرت صوراً التقطها المصوّر المصري فاروق إبراهيم (1939 - 2011)، الذي رافق أم كلثوم إلى باريس، وهي الصور التي أغضبتها ودفعتها إلى مقاطعته بضعة أيام.
أمّا الصحف المصرية، فتراوح تعاملها مع الحادثة بين التجاهُل التام، كما هو الشأن بالنسبة إلى مجلّة "الكواكب"، أو التطرّق إليه بشيء من التخفيف، كما فعلت صحيفة "الأهرام" التي اكتفت، في عددها الصادر يوم 18 نوفمبر 1967، بالقول إنّ أم كلثوم "تعثّرت"، ولم تذكر صراحةً أنّها سقطت على المسرح.
مشهد سينمائي
يتوقّف فيلم "الستِّ" (2025)9، الذي يروي جوانب من السيرة الذاتية لأمّ كلثوم، عند حفلَيها في "مسرح الأولمبيا" بباريس عام 1967، ومن ذلك حادثةُ سقوطها على المسرح.
ويؤدّي الممثّل الجزائري عبد الكريم درّاجي دور المعجَب الجزائري الذي اقتحم الخشبة، متسبّباً في سقوط "الستّ" في حفلها الثاني خلال أوّل وآخر زيارة لها إلى العاصمة الفرنسية.