بعد أسابيع قليلة من حصولها على الجنسية الجزائرية تقديراً لدورها في مساندة كفاح الجزائريين من أجل الاستقلال، رحلت، الجمعة، في أحد مستشفيات مدينة نيويورك، المناضلة والكاتبة والمترجمة الأمريكية إلين مختفي عن 98 عاماً.
من نيويورك إلى باريس
وُلدت إلين كلاين (وهو اسمها الأصلي) في نيويورك عام 1928، لعائلة يهودية تنتمي إلى الطبقات الشعبية. وهناك، عايشت عن قرب أشكالاً متعدّدة من الاضطهاد والتمييز العنصري، التي ستُسهم في تشكيل وعيها والتزامها بقضايا المساواة والتحرّر من الاستعمار.
وحول ذلك تقول في حوار سابق: "بدأ إدراكي لمعاداة السامية في القرى التي عشنا فيها؛ إذ كنّا دوماً العائلة اليهودية الوحيدة في القرية. ولقد ارتبطتُ في سنّ مبكرة بالأشخاص الذين عانوا من التمييز، خصوصاً السود منهم. كنت أشعر أنّني قريبة منهم بسبب ما عشته في طفولتي، فقد عرفت العنصرية عن قرب".
في باريس التي غادرت إليها عام 1951، وكانت حينها في الثانية والعشرين، ستكون شاهدة على القمع الذي تعرّض له العمّال الجزائريون عام 1952؛ حين منعتهم السلطات الفرنسية من الانضمام إلى موكب الاحتفال بعيد العمّال: "أعتقد أنّها كانت المرّة الأولى التي أدركتُ فيها بوضوح مدى عنصرية فرنسا، وهو أمر ما انفكّ يتأكّد مع مرور الوقت".
مع محمد سحنون وفرانز فانون
تعرّفت مختفي إلى فرانز فانون (1925 - 1961) ومحمد سحنون (1931 - 2018) خلال مشاركتها في "المؤتمر الأفريقي العام للشعوب" في أكرا بغينيا عام 1958، ثمّ انخرطت، بعد ذلك، ضمن "جبهة التحرير الوطني"، والتحقت بسحنون في نيويورك عام 1960.
وتقول عن الرجلين: "كانا محطّ إعجاب واحترام كبيرين لما كانا يتميّزان به من ذكاء متّقد وحنكة عالية ونضال لا تشوبه شائبة. لقد كنت، على نحو ما، تلميذتهما".
في نيويورك، عملت في المكتب المحلّي للحكومة الجزائرية المؤقّتة و"جبهة التحرير الوطني"، إلى جانب عبد القادر شندرلي ومحمد يزيد. وبعد دخول فانون المستشفى في المدينة نفسها عام 1961 للعلاج من سرطان الدم، كلّفها شندرلي برعايته ودعم عائلته والتكفّل بابنه أوليفييه.
12 عاماً في الجزائر
استقّرت في الجزائر بعد استقلالها عام 1962؛ حيث أقامت فيها 12 عاماً، عملت خلالها في مؤسّسات مختلفة، من بينها "وكالة الأنباء الجزائرية"، وغطّت العديد من الأحداث المرتبطة بالعالم الثالث.
وقد مكّنها عملها في مواقع مختلفة من التعرّف عن قرب إلى كثير من الشخصيات الجزائرية الفاعلة في تلك الحقبة.
وفي عام 1969، تولّت استقبال أعضاء حركات التحرّر الأفريقية من موزمبيق وأنغولا وجنوب أفريقيا، إلى جانب أعضاء من "حركة الفهود السود"، كما لعبت دوراً في تنظيم الخروج السرّي لإلدريدج كليفر من الولايات المتحدة إلى الجزائر عبر كوبا.
قالت إنّ ترحيلها من الجزائر كان بسبب رفضها تزويد المخابرات بمعلومات عن صديقتها زهرة سلامي
وخلال عملها في وزارة الاتصال، تعرّفت إلى الكاتب والمناضل الجزائري مختار مختفي (1935 - 2015)، الذي تزوّجت به عام 1972 وحملت اسمه منذ ذلك التاريخ، وعاشت معه حتى وفاته.
رُحّلت مختفي من الجزائر عام 1974 ومُنعت من العودة إليها مجدّداً، بسبب رفضها العمل لصالح المخابرات وتزويدهم بمعلومات عن صديقتها زهرة سلامي، زوجة الرئيس الراحل أحمد بن بلة، وفق ما قالت في الحوار نفسه.
وقبل ذلك، رُفض طلبها الحصول على الجنسية الجزائرية.
ولم تعُد مختفي إلى الجزائر إلّا بعد 45 عاماً، وتحديداً في 2019؛ حيث شاركت في "معرض الجزائر الدولي للكتاب" بمذكّراتها التي صدرت بالإنكليزية في 2018 بعنوان "الجزائر عاصمة العالم الثالث: مقاتلو الحرية والثوار وحركة السود في الولايات المتحدة"، ثمّ بالفرنسية في 2019 بعنوان "الجزائر عاصمة الثورة"، في استعادة للدور الذي لعبته البلاد خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بوصفها "قبلة للثوّار".
وقدّمت مختفي، في الكتاب، شهادتها على لحظتين أساسيّتين من تاريخ الجزائر المعاصر: لحظة الكفاح التحرّري الذي آمنت به وانخرطت فيه، ولحظة الاستقلال التي عايشت خلالها ميلاد الدولة الجزائرية المستقلّة وعرفت فيها عدداً غير قليل من صنّاع القرار الجزائريين عن قرب.
عودة أخيرة
عادت إلين مختفي مجدّداً إلى الجزائر في ديسبمر 2025 بدعوة من "مهرجان الجزائر الدولي" و"جمعية أصدقاء الثورة". وفيها احتفلت بعيد ميلادها السابع والتسعين.
وفي جويلية الماضي، مُنحت الجنسية الجزائرية تقديراً لدورها في مساندة القضية الجزائرية وكفاح الجزائريين من أجل الاستقلال.
وما لا يعرفه كثيرون عن إلين مختفي أنّها فنّانة تشكيلية أيضاً. وقد درست الفنّ التشكيلي في "مدرسة الفنون الجميلة" بباريس التي عاشت فيها خلال مراحل متقطّعة، وأصدرت حولها كتاباً بعنوان "باريس: تاريخ مصوّر" (2002).
حوار
إلين مختفي: ما زلتُ في الجزائر
تتحدّث إلين مختفي، في هذا الحوار، عن تجربتها في الجزائر التي كانت شاهدة على لحظتين أساسيتين من تاريخها المعاصر: الكفاح والاستقلال.