روى الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال (1949) تفاصيل جديدة عن فترة سجنه في الجزائر (نوفمبر 2024 - نوفمبر 2025)، قائلاً إنّه لم يتوان عن مراسلة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بشكل متكرّر، كما نسج عدّة علاقات مع مساجين؛ من بينهم وليد بن فليس، ابن رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس.
وفي حوار مطوّل مع صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، قال صنصال إنّ مشاعر متناقضة اجتاحته خلال الفترة التي قضاها في السجن؛ فتارةً يغلبه الملل واليأس فيتخلّى عن كتابة يومياته، وتارة أُخرى تتملّكه الشجاعة فيخطّ رسائل حادّة لمسؤولين جزائريين، ومرّات يصيبه الضعف فيكتب متوسّلاً لإطلاق سراحه.
كثيراً ما كان صنصال يطلب أوراقاً وأقلاماً من إدارة السجن. وفي إحدى المرّات: "قلتُ لهم أعطوني أربع أوراق، من فضلكم. سأكتب إلى الرئيس تبون، فجرى تزويدي بها فوراً"، مضيفاً أنّه يعلم أنّ كلّ رسالة تمرّ على الرقابة قبل خروجها من السجن.
كان واثقاً في البداية بأنّه سيقضي سنوات طويلة خلف القضبان
وأوضح أنّه كتب للرئيس ما لا يقلّ عن عشر مرّات، وبنبرات مختلفة، وأنّ رسائله الأولى كانت "شديدة الاتهام"، لاقتناعه بأنّه سيقضي سنوات طويلة خلف القضبان، "فلم يكن هناك ما أخسره"، وفق تعبيره.
ثمّ سرعان ما غيّر أسلوبه لاحقاً واعتمد نهجاً "أكثر استراتيجية"، حيث بدأ بمخاطبة تبون على أساس أنّ الحلّ الوحيد هو إطلاق سراحه والعمل على "مصالحة حقيقية بين الجزائر وفرنسا"، مشدّداً في تلك الرسائل على قناعته بأنّ الجزائر "معزولة تماماً"، وأنّ "فرصتها الوحيدة تكمن في إعادة بناء علاقتها مع فرنسا".
كما قدّم، في رسائله، تقارير مفصَّلة عمّا وصفها "المعاملة اللاإنسانية" التي قال إنّ السجناء يتعرّضون إليها. ولم تقتصر مراسلاته على الرئيس، بل كتب أيضاً إلى وزير الخارجية، بنبرة وصفها بأنّها كانت "أكثر نقداً، بل فظّة أحياناً".
وعن توثيق يومياته في السجن، قال صنصال إنّه حاول في البداية الكتابة "كما فعل نيكولا ساركوزي"، لكنّه امتنع عن ذلك خشية أن تدفعه ظروف البرد والملل إلى الكتابة بدافع "الشفقة على النفس"، فترك الفكرة.
ولم يعدم الكاتب، رغم المعاناة التي قال إنّه عاشها في السجن، التواصل ونسج صداقات مع عدّة أشخاص، خصّ منهم بالذكر صداقة جمعته بوليد بن فليس، ابن رئيس الحكومة السابق علي بن فليس، وهو محام مزدوج الجنسية (جزائري كندي) يُتقن الفرنسية، يقضي عقوبة عشرين سنة سجناً نافذاً، بعد إدانته بتسريب دفتر شروط صفقة شراء طائرات لصالح الخطوط الجوّية الجزائرية لجهات أجنبية.
قال إنّه قرأ لكتّاب بارزين في الأدب الفرنسي لم يخطر له أنّ أعمالهم موجودة في السجن
ولعلّ أكثر ما يلفت في حديث صنصال قوله إنّه تمكّن من القراءة داخل السجن، عكس ما نقله الكاتب الجزائر الفرنسي كمال داود على لسانه في حواره الأوّل لمجلّة "لوبوان" الفرنسية؛ حيث قرأ كتباً لأسماء بارزة في الأدب الفرنسي "لم يكن يخطر ببالي أنّها موجودة في السجن".
وقال بوعلام صنصال إنّ السجن يضمّ مكتبة كبيرة في نهاية أحد الممرّات الطويلة، وإنه كان يطلب الكتب لتأتيه باستخدام رقم اعتقاله 46611. وفي بعض المرّات كان يُؤخذ مباشرةً إلى تلك المكتبة.
وأضاف أنّ أغلب الكتب المتوفّرة هي مصاحف وكتب دينية، تُشكّل، حسب قوله، نحو تسعين بالمئة من المحتوى، أمّا بقية الكتب، فتعود إلى فترة الاستعمار الفرنسي.
وذكر أنّه وجد نسخاً من بعض الأعمال الأدبية الفرنسية، مثل "أحدب نوتردام" لفيكتور هوغو (1802 - 1885)، والذي قرأه مرّتين، وكُتُب غي دو موباسان الذي زار الجزائر ومرّ بقريته الأصلية ودوّن عنها "صفحات جميلة".
كما عاد لقراءة أحد كتّابه المفضلين، هنري دى مونترلان (1875 - 1972). ولاحظ صنصال أنّ الكثير من الأدباء الذين قرأ لهم خلال تلك الفترة كانت نهاياتهم مرتبطةً بالانتحار، مثل دو موباسان (1850- 1893) ودي مونترلان.
وروى أنّ دي مونترلان كان يميل إلى الانتحار، وكانت عائلته تنقله بين البلدان للحفاظ على استقراره النفسي، إلى أن نصحه أحد معارفه بزيارة الجزائر حين كانت مستعمَرةً، فزارها بنيّة المكوث فيها أسبوعاً واحداً، لكنّه بقي فيها خمس سنوات بعد وصوله إلى ميناء الجزائر، بسبب إعجابه بالمدينة.
وقال بوعلام صنصال إنّه اكتشف، داخل السجن، كتاباً صغيراً لدي مونترلان لا يتجاوز حجمُه أربعين صفحة، بعنوان "لا تزال هناك جنّات"، معتبراً أنّ قراءته في السجن منحته "عزاءً نادراً".